ما هكذا تخدم اللغة العربية!
في الأيام الماضية، كان العالم العربي يحتفل بالمناسبة المسماة" اليوم العالمي للغة العربية"، ليعود بعده كل عربي إلى سباته العربي السرمدي حتى مثل هذا الوقت من العام القادم؛ ليستيقظ مرة أخرى ليعيش يوماً عربياً.
تسمع كل الخزعبلات عن اللغة العربية، وتقرأ كل الرومنسيات والغزليات عنها، وكل ذلك لا يقدم للعربية ولا للعربي شيئاً حقيقياً سوى شعور بتضخم بسيط في البطين الأيسر للذات العربية الممتلئة وهماً. وسيلومونك حين تحاول أن توضح لهم ما هو صحيح وما هو غير صحيح "علمياً" عن لغتنا، وسيتهمونك بالانسلاخ من الهوية والانفساخ من القومية. ستقول لهم: أنا "لساني" متخصص، اقتطعت جزءاً من عمري (وربما بقية عمري) لدراسة اللغات وأنظمتها الصوتية والتركيبية، وبوسعي أن أكتب لكم بحثاً وربما كتاباً كاملاً ليس عن مقارنة العربية بغيرها بل عن أول حرف من حروف لغتنا للإجابة عن مئات الأسئلة التي يمكن أن تدور حوله.
كيف ومتى يخزّن هذا الصوت في عقل الرضيع، ثم كيف يقوم الجهاز النطقي بإنتاجه على النحو الذي تسمعونه، وما الذي يحعله مختلفاً عن صوت العين الذي يجاوره، وكيف ينتقل من المتحدث نفسه إلى أذن السامع، وكيف يقوم الجهاز السمعي باستقباله ثم تحويله إلى العقل، وما الذي يحصل هناك لتحويله من صوت عادي إلى وحدة صوتية لها معنى، وكيف ينطق هذا الصوت في لغات العالم الأخرى، وكيف يستخدم ويبنى مع الأصوات الأولية والثانوية، وما وظيفته فيها، وأين يتركز هذا الصوت في شجرة اللغات، وأين يغيب في لغات البشرية على خريطة العالم.... كل سؤال هو بحث أو عدة أبحاث، هذا ونحن لم نتجاوز الحرف الأول في اللغة العربية، فما بالك حين يتعلق الأمر بكل صوت من أصواتها، وبنظام الأصوات العربية في تركيبها وتجانسها وتأثرها وتغيرها، أو حين يتعلق الأمر بالجانب التركيبي سواء تركيب المفردة أم الجملة أو بالجانب الدلالي أو غيره.
إنني لن أكون مبالغاً لو قلت لك إن اللساني الحقيقيّ أمام "مئات" الأسئلة التي يستعرضها و"آلاف" الأسئلة التي لا يستحضرها حينما يقال له: ما الفرق بين العربية ولغة كذا؟ بل إنه قد يبدو متوقفاً أو غير قادر على الإجابة لأن السائل يبحث عن إجابة سطحية لا يمكن للساني متخصص أن ينزلق إلى محاولة الإجابة عنها بالطريقة التي يريدها السائل. "ما الفرق بين العربية ولغة كذا أو أيهما أفضل؟" هذا السؤال يشبه سؤال إنسان بسيط يقول لك: أيُّما أفضل الحاسب الآلي أو التلفاز؟
إن هذا السائل البسيط يرى أن هناك تقارباً بين الشكلين إلا أن التلفاز يبدو أكبر ولديه جهاز تحكم عن بعد، ويرى أن تلفازه الذي يعرفه جيداً (أو يعتقد أنه يعرفه) أفضل من الحاسوب، ويصر على أنها لا تلزمه الخبرة بأجهزة الحاسوب؛ لأنه يعرف إمكانيات تلفازه ويثق جيداً أنها لا تتوفر في أجهزة الحاسوب التي تبدو صغيرة في عينه. يأتي دور متخصصي هندسة الحاسب وعلوم الحاسب ومتخصصي الهندسة الكهربائية والإلكترونية؛ ليجد أحدهم نفسه أمام جيش لا قبل له به من الأسئلة التي لا يمكن أن يجاب عنها ببساطة. فهو يفكر في مكونات الحاسب أو التلفاز بكل تعقيداتها، ابتداء من الأجزاء المادية إلى البرمجيات والتطبيقات وأنظمة الحماية ونقل البيانات. وفي نهاية المطاف، لكل من الحاسوب والتلفاز صفاته الخاصة به ووظيفته والمقارنة بينهما لا معنى لها.
إن المتعصبين والمنحازين للغة ما كالعربية مثلاً قد لا يقدمون لها مثقال خردل أكثر من نشر الأساطير التي لا تصح علمياً، وتجعلنا أضحوكة لمن لديهم أدنى العلم عن لغات العالم. بل إن أحدهم قد ينطلق من أقصى الأرض؛ ليهاجمك، وحين تقرأ ما يظنه رداً مفحماً، تجد الأخطاء الإملائية الفاحشة والنحوية المتفحشة، فهو لم يكلف نفسه يوماً ما أن يحاول ولو للحظة أن يحسن ولو قليلاً من لغته. وقد تجده في كثير من الأحيان يستخدم الأحرف الأجنبية لكتابة العربية، أو ما يسمى بالـ "عربيزي"، هذا إن لم يكن يعرف لغة أخرى؛ ليتحدث بها لغير حاجة.
وكل هذا مما يسهم في انخفاض محتوى اللغة العربية على الشبكة العنكبوتية، والذي تشير الإحصائيات إلى أنه أقل مما هو مكتوب على الشبكة بلغات أخرى أقل متحدثين. أليس من الغريب جداً أن يكون العالم العربي بأسره لا ينتج على الشبكة العنكبوتية ما يساوي ما تنتجه دولة صغيرة كاليابان أو فرنسا؟ ثم إذا جاء اليوم العالمي للعربية قامت حركة الملاحة العربية بتبادل كل أنواع الأساطير المكررة حول العربية مع شعور بالطمأنينة لكل تلك الرومنسيات التي لا يريد معها العربي أن تكدر عليه يومه الجميل بكلمة مستندة إلى وعلى ركن علمي قويم حول عدم مصداقية كثير من تلك الأساطير.
سيحدثك أحدهم عن مخارج أحرف العربية وكيف أن العربية تستخدم الحروف الحلقية وأنها ذات مدرج لغوي منبسط مستطيل وكأنه يحدثك عن مطار دولي، وسيختم حديثه بقوله: ولا يوجد لغة في العالم كهذه اللغة في أصواتها. وعندما تسأله وماذا تعرف من لغات العالم؟ فأحسنهم سيقول لك: أعرف الإنجليزية والفرنسية، وأضعفهم سيقول لك: لا أعرف لغة أخرى، لكن هذا ما يقوله العلماء، وعندما يحيلك إلى العلماء تكتشف أن هؤلاء العلماء هم ممن يتهمسون الإنجليزية والفرنسية ونحوهما في الظلام، وربما يقتاتون على الترجمات. ولو قلت له: هل سمعت عن لغة فيها أصوات حلقية كلغة السيليش أو الوكاشان مثلاً؟ سيجيبك سريعاً: لا لا، لكن من المعروف أنه لا يوجد لغة لديها مثل أصوات العربية.
ثم سيتحول النقاش مباشرة إلى عدد الكلمات، وستسمع الأسطورة المكرورة: عدد الكلمات في العربية تزيد عن الإنجليزية بكذا، ولا يوجد اشتقاق إلا في العربية. حينها ستبدأ لتسأله سؤالاً منطقياً: ما اللغات التي قورنت عدد كلماتها مع العربية غير الإنجليزية والفرنسية أو بضع لغات أخرى؟ والسؤال الذي يليه: هل تتحدث عن عدد الكلمات في المعجم والتي ماتت ولم تعد تستخدم منذ قرون أو أنك تتحدث عن عدد الكلمات المستخدمة؟ وإن كان الحديث عن الكلمات المهجورة والميتة في قبور المعاجم فهل يصح لنا أن نقارن معجم اللاتينية الميتة بمعجم المهجور من العربية؟
هنا، سينحرف الحديث مباشرة في انقضاضة أسدية للإجهاز عليك بجملة: "العربية لغة القرآن". وهنا أيضاً لن يستمع لكل أجوبتك التي يمكن أن يكون منها: أنا لا أتحدث عن العوامل الخارجية التي اكتسبت بها العربية مكانة ما، وإنما أتحدث عن العربية نفسها بعواملها الداخلية وكأننا نقارن العربية بغيرها من اللغات قبل الإسلام. بل ربما لو قلت له: تأمل في اصطفاء المصطفى واصطفاء اللغة، أيهما كان سبباً وأيهما كان نتيجة، لخرجت من عنده وقد خرجت عن عنده!
واجبنا أن نخدم لغتنا العربية ولكن بل "لاكنات" خدمة العربية لا تكون بتدوير تلك الخزعبلات عنها، ولا بالسفر عبر التاريخ للتخمين هل قال أعرابي ما قبل ألف سنة "وأحبها وتحبني" أو قال "وتحبني وأحبها". من المؤسف جداً أن بحوثنا حول العربية لا تتجاوز البوابات الداخلية لكليات اللغة العربية أو غرف لقاءات أساتذة اللغة العربية في أقسامها. بحوثنا هي بحوثنا منذ زمن ليس بقريب، نعيد جمع ما قاله الأوائل، ونخرجه لأنفسنا من جديد، فأحدهم يسميه "جمعاً ودراسة" والآخر يسميه "دراسة وجمعاً" (تماماً كما كان في عنوان أطروحتي للماجستير يوماً ما).
ومن المؤسف مرتين أن نتلوه على بعضنا، ونعقد له ندوات هشّة، ونصدق أنفسنا بأننا ننتج بحثاً يخدم اللغة، وكل ما نفعله هو أن نعيد تفتيت ما جمعناه ونسميه بتسميات أخرى، تماماً كمن يحول الخبز إلى ثريد؛ ليبدو طعاماً آخر. بل من المخجل أن تدرس في الجامعات الغربية فتقرأ أسماء مؤلفين من أنحاء العالم عن آلاف اللغات، ولا تجد لأسماء أساتذتنا على كثرتهم إنتاجاً علمياً يصلح لتدريسه ولو في أضعف الجامعات الغربية. وعندما تحضر المؤتمرات اللغوية عن العربية في الخارج، تجد أسماء الجامعات من كل دول العالم، وتغيب جامعاتنا السعودية التي يوجد بها كليات وأقسام للغة العربية تعج بالمعيدين والمحاضرين والأساتذة، بينما يشارك أستاذ من قسم صغير جداً للعربية في جامعة غربية في دولة أو حتى قارة أخرى.
وعندما ننظر في جامعاتنا وأقسامنا ونتأمل قليلاً، ثم نتساءل: كيف يحدث تدريس اللغة العربية؟ ومن يقوم بتدريس اللغة العربية؟ إن تدريس اللغة العربية يقوم بشكل شبه كلي على تدريس قواعدها والإغراق فيها، والذين يقومون بتدريس ذلك هم الذين يعنون بقواعد اللغة، في صورة تغيب عنها مناهج تدريس اللغة وطرق تعليمها الحديثة. والغريب أن المتخصصين في مناهج تعليم اللغة في كليات التربية يقتصر الأمر لديهم على التنظير، أما من يقوم بتعليم اللغة فعلياً وتطبيقاً فهم أصحاب القاعدة النحوية والصرفية، ولولا وجود بعض التطعيمات الأدبية لكان تدريس اللغة لدينا أكثر جفافاً من جلمود صخر حطه السيل من علِ (أو علو). يستثنى من ذلك تعليم اللغة العربية كلغة ثانية في بعض جامعاتنا، فهم اليوم بانفتاحهم على اللغويات التطبيقية سبقوا أقسام اللغة العربية تدريساً حديثاً وبحثاً معاصراً.
لقد جربنا تدريس العربية على يد المدرسة التراثية، وجربنا خدمة البحث العلمي للعربية زمناً ورأينا كيف خدمت العربية بطريقة التدريس والبحث التقليديين. كل ذلك كان له زمنه وظروفه وتأثيره وإيجابياته وسلبياته، فشكرا لهم على تلك الحقبة وامتناناً لهم على ما قدموه اجتهاداً منهم. واليوم يجب أن يتحول الاهتمام بالعربية من تلقين القواعد التي لا يخرج منها الطالب إلا بمصطلحات فحسب، إلى تعليم حديث للغة كما تقوده نظريات تعليم اللغة الأولى والثانية التي عن طريقها عُلمت الإنجليزية لملايين الناطقين بغيرها.
ويجب أن يخرج بنا البحث العلمي من مجلات الكليات نفسها لدينا ومن المجلات العربية ومن الندوات المحلية إلى الوجود العالمي والمشاركات الدولية مع الاهتمام بالترجمة والمحتوى العربي أيضاً. من العار أن تحضر نقاشاً حول ظاهرة معينة في لغات العالم، وحينما يصل الأمر للغات السامية، تسمع الجملة المعتادة: ليس هناك بحوث حول العربية، لكن البحوث حول العبرية تقول كذا وكذا، وربما ينطبق هذا على العربية أيضاً.
لهذا، فئتان يجب أن تنبريا لخدمة العربية على النطاق العالمي. اللسانيون الذين يجب أن يخدموا العربية ببحوث تصل كغيرها من اللغات لخارج أسوار كلياتنا وتضعها في متناول الدرس اللساني العالمي، واللغويون التطبيقيون الذين ينبغي أن يعنوا بالجانب التطبيقي وأهم تلك التطبيقات هو تدريس اللغة كلغة أمّ (إن كانت) أو كلغة ثانية بحثاً وتعليماً. يضاف إلى هؤلاء متخصصو تقنية المعلومات والحوسبة لما لهم من دور في الجانب التقني.
أما أوسع، وأطول، وأغزر، وأبلغ، وأجمل، وأفضل... فلن تقدم لنا وللغتنا شيئاً. فاعتزازك بلغتك هو في تنزيهها عن الترويج لكل تلك الخزعبلات التي تملأ كل مكان، والتي ساعد على نشرها الجهل والتحيز وصمت المتخصصين.
يحيى الظلمي
ميلواكي، ٢٢ ديسمبر ٢٠١٦
كلام جميل جدا ومحزن في الوقت نفسه
ردحذفأحيي فكركم د. يحيى
دمت بحفظ الله
أحسنت، فما نقدمه للغتنا لا يفيدها ولا يفيدنا.
ردحذفجميل جداً .... محق، فكل ما نقدمه الان ماهو إلا بكاء ورثاء لها .
ردحذف